أصــــوات مُعاصـــــــرة

تهتم بالأدب والفن والسياسة والنصوص الإبداعية

الخميس,آذار 27, 2008


النص الكامل لرواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (25)

ـ 25 ـ

 

تباعدت لقاءاتهما، رغم الحنين الجارف. فرض فتحي على نفسه قيودا صارمة. لا مضيعة للوقت. الوقت للجد والمذاكرة. أول المتضررين أمين، الذي لم يكن يعبأ بقيمة الوقت، أو أنه متكاسل. إلا أن فتحي فاجأه بزيارة، خارقا كل المواثيق التي قطعها على نفسه. للاستثناء دوافع. أوضح لصاحبه أن الفتوة أوعز لاثنين من البلطجية بضرب حمزة وإهانته، هو وصاحبه عويس. لم يرتكب ذنبا يستحق العقاب. أحب تلقين ثروت وفتاته درسا لا ينسونه، مما حدا بثروت أن يوعز لأخيه الأكبر بالتصرف. قال فتحي كلاما كثيرا، عن الفتوة الذي لا يهمه شيء سوى الحصول على المال بأي ثمن، من كل عملية بلطجة، سرقة كانت، أم ضربا.. جالا في شوارع إمبابة حتى منتصف الليل. أخذ فكرهما يصول ويجول في أمر البلطجي.. رأيا أن يقصدا المجني عليه، يؤنسان وحدته. جلسا يشربان الشاي. قال فتحي ملطفا :

ـ  سأقاطع ثروت..

قال عويس :

ـ  المعلم طرد البلطجية من إمبابة كلها. اتضح أنهما اشتغلا لحسابهما في عملية مشبوهة !

قال فتحي :

ـ  هل سيد سبرتو من الضعف الذي يجعل أحد رجاله يخونه ؟

أجاب حمزة :

ـ  على العموم، وعد المعلم ألا تتكرر المهزلة..

أكد عويس على ما قال :

ـ  لك مكانة عند المعلم..

ضحك فتحي وهو يقول :

ـ  لِمَ ضُربت يا عويس ؟

قال في مسكنة :

ـ  أنا.. رحت في الرجِْلين..

بدأ يشرح ما حدث في منتصف الليل، من تطهير قام به للمنطقة من الأوباش الذين يأخذون من الليل ستارا لأفعالهم الدنيئة. اعتبر ما أداه واجبا أملاه عليه ضميره، كما أنه امتداد لبطولاته في المقاومة الشعبية ببور سعيد.

قال فتحي :

ـ  لا تنس ما قمت به من عمليات إنقاذ ومساعدة المصابين، في كارثة التروللي..

ـ  كلنا ندين لك بالفضل.

قال أمين في حماس :

ـ  أنت تستحق وساما..

شمله الهدوء إزاء ما يسمع من مديح. همس لعويس بأريحية :

ـ  جهز دور شاي، على حسابي..

وأدار الترانزستور يستمعان إلى أغنية أم كلثوم " أنت عمري ".. في الليل المتأخر، التف الثلاثة حوله، وهو يروي قصة بناء نفق المنيرة والسكة الحديدية تمتد قضبانها فوقه، كما رواها أبوه وجده. كيف شارك رمضان ـ كبير العائلة ـ في أعمال الحفر، وإن كان لا يذكر السنة التي تم فيها الحفر، مكتفيا بقوله إن هذا ما سمعه من أبيه محمد وجده صابر نقلا عن الجد الأكبر رمضان.. قال عويس :

ـ  لم تذكر لنا قصة الرصاصة التي أصابت فخذك..

قال وهو يبتسم :

ـ  تعرفونها جيدا..

ـ  نريد أن نسمعها من جديد.. نحن لا نمل سماعها..

وطفق يتحدث إليهم، ولا يمل الحديث أبدا...

أما مصطفى، فما إن تناهى إليه ما حدث، باتفاق جبان بين صبري وسيد سبرتو. هرع إلى صبري، الذي يعرفه زبونا بورشة والده. استماله بالقول الحسن، ثم قصّ عليه ما حدث من أخيه، مما اضطر حمزة إلى ردعه.. أي أنه قاوم شرا لا نرضاه. أنكر صبري معرفة الدافع. يبدو أن أخاه لم يقل الحقيقة كاملة. خفّ لنجدة أخيه حين اعتدى عليه، دون معرفة التفاصيل. قال إنه مستعد للاعتذار. أجابه مصطفى :

ـ  يحق لثروت أن يعتذر.. هو المخطئ..

أبى ثروت الاعتذار لأحد، وإن كان توبيخ أخيه منعه من التمادي في غيه. وعد أخاه ألا يقترب من نفق المنيرة، وألا يدوس لحمزة على طرف. لكنه لم يعده بعدم الاقتراب من الحرام. قال صبري إنه لن يدافع عن أخطاء أخيه. هرع مصطفى إلى المعلم سبرتو، يلومه فيما حدث لعم حمزة، فأنكر أنه شارك.. وأن اثنين من رجاله خرجا عن طاعته، ونفذا عملية قذرة لا يرضاها. أحس فايز أنه يكذب، كي يتجمل! يكفيه أنه لجأ إلى الإنكار. قال في حسم:

ـ  أنا طردتهما من إمبابة كلها، وليسا من رجالي.. بل إني سأضربهما بيد من حديد، إن أقلقا راحة أهل بلدي وناسي..

توجه معه إلى حمزة، لكز عويس قائلا :

ـ  قم اعمل لنا شاي. أما أعزم نفسي عندك يا حمزة..

ـ  بيتك ومطرحك..

ـ  إننا جميعا نعتذر لك. إمبابة كلها تقدم الاعتذار.

قال حمزة :

ـ  مجيء المعلم شرف أعتز به..

الكل يعتذر، لكن لا أحد يتألم من الجرح الغائر في قلبه. هل يمكن للكلمات مداواة جراح القلب ؟

قال عويس وقد بدا عليه التأثر :

ـ  الكل يعتذر لعم حمزة، ولا أحد يطيب خاطري بكلمة، مع أنني ضُربت أكثر، ولا كان لي في الدور ولا في الطحين..

شده الفتوة من ياقة جلبابه، ليتغدوا جميعا على حسابه..

الاعتذار كلف حمزة الكثير. فقد أصر سبرتو على أن يتغدوا جميعا عنده. كان لابد أن تمتد المائدة لتكفي الأربعة. أحضر لهم وجبة دسمة من الكفتة والطرْب والسلَطة. أعلن المعلم عن استعداده لتحمل مصاريف الغداء، إلا أنها عزومة مراكبية، كما يقول المثل الشائع. فقد أخرج المحفظة من جيب الصديري، قائلا في شهامة :

ـ  عنك يا حمزة.. رقبتي سدادة..!

أمسك بيده كي يرد محفظته مكانها :

ـ  عيب يا معلم..

لم يكذب خبرا، فأرجعها سريعا كما أخرجها.

عند الانصراف، انتحى بالمعلم جانبا، وحدثه في أمر عويس الذي لا يريد أن يرحل، رغم مضي نحو أسبوع على زيارته الأخيرة. قال له :

ـ  ولد مسكين.. الظرروف تعانده. سوف تنال الثواب الكبير، لحين صلاح أحواله..

ولم يزد. قبل الضيف الذي فرض نفسه وأقلق باله. إنه كالاحتلال الذي كان جاثما على صدر الوطن. ما باليد حيلة.

 



في27,آذار,2008  -  12:18 مساءً, أبو أيمن كتبها ...

مدونة رائعة أتمنى لها التوفيق
أدعوك لزيارة مدونتي